الغزالي
194
إحياء علوم الدين
نعم إذا قصد تلذذ البدن ، وتنعمه بشيء من هذه الأسباب ، كان منحرفا عن الآخرة ، ويخشى على قلبه القسوة . قال الطنافسي ، كنت على باب بني شيبة في المسجد الحرام سبعة أيام طاويا فسمعت في الليلة الثامنة مناديا وأنا بين اليقظة والنوم ، ألا من أخذ من الدنيا أكثر مما يحتاج إليه أعمى الله عين قلبه . فهذا بيان حقيقة الدنيا في حقك ، فاعلم ذلك ترشد إن شاء الله تعالى بيان حقيقة الدنيا في نفسها وأشغالها التي استغرقت همم الخلق حتى أنستهم أنفسهم وخالقهم ومصدرهم وموردهم اعلم أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة ، للإنسان فيها حظ ، وله في إصلاحها شغل . فهذه ثلاثة أمور قد يظن أن الدنيا عبارة عن آحادها ، وليس كذلك أما الأعيان الموجودة التي الدنيا عبارة عنها ، فهي الأرض وما عليها . قال الله تعالى * ( إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) * « 1 » فالأرض فراش للآدميين ، ومهاد ، ومسكن ، ومستقر ، وما عليها لهم ملبس ، ومطعم ، ومشرب ، ومنكح ويجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام : المعادن ، والنبات ، والحيوان . أما النبات ، فيطلبه الآدمي للاقتيات والتداوي . وأما المعادن ، فيطلبها للآلات والأواني ، كالنحاس والرصاص ، وللنقد كالذهب والفضة ، ولغير ذلك من المقاصد . وأما الحيوان ، فينقسم إلى الإنسان ، والبهائم . أما البهائم ، فيطلب منها لحومها للمآكل ، وظهورها للمراكب والزينة ، وأما الإنسان فقد يطلب الآدمي أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم ويستسخرهم كالغلمان ، أو ليتمتع بهم كالجواري والنسوان . ويطلب قلوب الناس ليملكها ، بأن يغرس فيها التعظيم والإكرام وهو الذي يعبر عنه بالجاه ، إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميين . فهذه هي الأعيان التي يعير عنها بالدنيا ، وقد جمعها الله تعالى في قوله * ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ من النِّساءِ والْبَنِينَ ) * « 2 » وهذا من الإنس * ( والْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ من الذَّهَبِ والْفِضَّةِ ) * « 3 » وهذا من الجواهر والمعادن وفيه تنبيه على غيرها من اللآلئ واليواقيت وغيرها * ( والْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ والأَنْعامِ ) * « 4 » وهي
--> « 1 » الكهف : 18 « 2 » آل عمران : 14 « 3 » آل عمران : 14 « 4 » آل عمران : 14